ابن كثير
161
البداية والنهاية
مطرف بن عبد الله بن الشخير تقدمت ترجمته ، وهؤلاء كلهم لهم تراجم في كتاب التكميل . وفيها كان موت الحجاج بواسط كما تقدم ذلك مبسوطا مستقصى ولله الحمد . وفيها كان مقتل سعيد بن جبير في قول علي بن المدائني وجماعة ، والمشهور أنه كان في سنة أربع وتسعين كما ذكره ابن جرير وغير واحد والله أعلم . ثم دخلت سنة ست وتسعين وفيها فتح قتيبة بن مسلم رحمه الله تعالى كاشغر ( 1 ) من أرض الصين وبعث إلى ملك الصين رسلا ( 2 ) يتهدده ويتوعده ويقسم بالله لا يرجع حتى يطأ بلاده ويختم ملوكهم وأشرافهم ، ويأخذ الجزية منهم أو يدخلوا في الاسلام . فدخل الرسل على الملك الأعظم فيهم ، وهو في مدينة عظيمة ، يقال إن عليها تسعين بابا في سورها المحيط بها يقال لها خان بالق ، من أعظم المدن وأكثرها ريعا ومعاملات وأموالا ، حتى قيل إن بلاد الهند مع اتساعها كالشامة في ملك الصين لا يحتاجون إلى أن يسافروا في ملك غيرهم لكثرة أموالهم ومتاعهم ، وغيرهم محتاج إليهم لما عندهم من المتاع والدنيا المتسعة ، وسائر ملوك تلك البلاد تؤدي إلى ملك الصين الخراج ، لقهره وكثرة جنده وعدده . والمقصود أن الرسل لما دخلوا على ملك الصين وجدوا مملكة عظيمة حصينة ذات أنهار وأسواق وحسن وبهاء ، فدخلوا عليه في قلعة عظيمة حصينة ، بقدر مدينة كبيرة ، فقال لهم ملك الصين : ما أنتم ؟ - وكانوا ثلاثمائة رسول عليهم هبيرة - فقال الملك لترجمانه : قل لهم : ما أنتم وما تريدون ؟ فقالوا : نحن رسل قتيبة بن مسلم ، وهو يدعوك إلى الاسلام ، فإن لم تفعل فالجزية ، فإن لم تفعل فالحرب . فغضب الملك وأمر بهم إلى دار ، فلما كان الغد دعاهم فقال لهم : كيف تكونون في عبادة إلهكم ؟ فصلوا الصلاة على عادتهم فلما ركعوا وسجدوا ضحك منهم ، فقال : كيف تكونون في بيوتكم ؟ فلبسوا ثياب مهنهم ، فأمرهم بالانصراف ، فلما كان من الغد أرسل إليهم فقال : كيف تدخلون على ملوككم ؟ فلبسوا الوشي والعمائم والمطارف ودخلوا على الملك ، فقال لهم : ارجعوا فرجعوا ، فقال الملك لأصحابه ، كيف رأيتم هؤلاء ؟ فقالوا ، هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك المرة الأولى ، وهم أولئك . فلما كان اليوم الثالث : أرسل إليهم فقال لهم كيف تلقون عدوكم ؟ فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا المغافر والبيض وتقلدوا السيوف ونكبوا ( 3 ) القسي وأخذوا الرماح وركبوا خيولهم ومضوا ،
--> ( 1 ) في الطبري 8 / 100 : بعث قتيبة كثير بن فلان إلى كاشغر فسبى منها سبيا وختم أعناقهم وفي ابن الأثير 5 / 5 : بعث جيشا مع كبير بن فلان . وفي ابن الأعثم 7 / 251 : دعا برجل من أصحابه يقال له كثير بن أيم الرياق فضم إليه سبعة آلاف رجل من فارس وراجل . ( 2 ) في الطبري 8 / 100 بعث اثنى عشر رجلا ( وفي ابن الأثير : 5 / 5 : عشرة ) عليهم هبيرة بن المشمرخ الكلابي . ( 3 ) في الطبري 8 / 100 تنكبوا . وفي ابن الأثير 5 / 6 : وأخذوا السيوف والرماح والقسي وركبوا .